نخبة من الأكاديميين

172

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

الاحترام والتقدير المتبادل . وكان التقدير والاحترام موجها من اليهود إلى الفقهاء بسبب مكانتهم داخل المجتمع فلم يكن اليهود ينظرون إليهم على أنهم فقهاء للمسلمين فحسب ، بل فقهاء لليهود أيضا ، أو بعبارة أخرى كانوا فقهاء للمجتمع الأندلسي الذي كان يعي جيدا تأثيرهم في الحياة العامة وينظر إليهم نظرة مميزة . ومما يؤكد لنا العلاقة المتداخلة بين الطائفتين والعيش الهادئ الذي كان يحظى به اليهود هو وجود أوقاف لليهود وسط أحياء المسلمين وهو ما تطلعنا عليه نازلة عند ابن سهل « 1 » تبرز لنا الاطمئنان الذي كان يشعر به اليهود في وقف أموال لهم موجودة في الأحياء المشتركة التي يعيشون فيها . نتج عن العيش المشترك بين المسلمين واليهود في الأندلس أن نشأت بين الجانبين علاقات اجتماعية تعبر عن فكرة الشعور بالحياة المشتركة داخل المجتمع . من ذلك الهدايا التي كان يتبادلها الجانبان خلال أعيادهم . وقد نهى الفقهاء المسلمون عن قبول هدايا أعياد اليهود والمسيحيين على حد سواء « 2 » . أما على مستوى النشاط التجاري وفي الأسواق فالاندماج كان تاما بين الجانبين ، ونشأت بينهم علاقات اقتصادية متشعبة الأبعاد « 3 » . ولم يُعر كبير اهتمام لما كان ينصح به ابن عبدون المحتسب من محاولة تحديد العلاقات وتقنينها بين المسلمين واليهود وتقييد الاختلاط بينهما وذلك بسبب ما اعتاد عليه المجتمع الأندلسي من تداخل وترابط بين جميع فئاته « 4 » . ولم يكن ثمة حرج في التداوي عند أطباء يهود « 5 » مع وجود أطباء مسلمين والعكس صحيح ، بل الأكثر من هذا قُرِّب أطباء يهود من الحكام والأمثلة في هذا المجال كثيرة « 6 » . ولا شك أن تأكيد الفقهاء على تمييز اليهود في اللباس بزي خاص في المرافق العامة لم يعدُ أن كان تعبيرا عن عدم الاكتراث لهذا التمييز ولهذا التأكيد من قبل المجتمع « 7 » ، وهذا ما يفسر لنا انتشار استعمالهم لزي المسلمين . كما يبدو أن السلطة السياسية لم تتدخل في فرض اللباس الخاص ، لأنها كانت لا ترى في ذلك غضاضة بسبب الاندماج الذي كان يعيشه المجتمع الأندلسي . ثم إن يهود الأندلس استعربوا وت - أثروا في حياتهم الخاصة والعامة بالتقاليد العربية ، وهو ما برز في الزي وفي استعمال اللغة العربية « 8 » ؛ من قبيل استبدال المصطلحات العبرية بأخرى عربية إسلامية إذ استعمل مصطلح " قاضي " بدل " الديان " و " شريعة " بدل " مشنا " وحتى " القرآن " بدلا من " التوراة " « 9 » . واستعمل اليهود اللغة العربية عن اختيار منهم ، فاستعملوها أيضا في الشعر وفي علم اللاهوت وفي الفلسفة وفي العلوم وفي علوم اللغة بل كتبوا العربية بأحرف عبرية « 10 » . فاعتبر انتاجهم المعرفي في الأندلس من أبرز تجليات الثقافة اليهودية في العالم الإسلامي « 11 » . ولم ينظر المجتمع الإسلامي لفئات اليهود نظرة واحدة من حيث مستواها الاجتماعي والاقتصادي على أنهم فحسب طائفة من أهل الذمة ، بل نجده يعتبر فئاتهم الاجتماعية من عامتهم وعلية قومهم وبيوت شرفهم . وهذا ما حافظت عليه الأدبيات التاريخية التي تناولت الحديث عن شخصيات يهودية « 12 » . إن اندماج اليهود بهذه الصورة داخل المجتمع ، لدليل على علاقات ودية كان يشعر بها اليهودي

--> ( 1 ) - وثائق في أحكام قضاء أهل الذمة في الأندلس مستخرجة من مخطوط الأحكام الكبرى للقاضي أبي الأصبغ بن سهل الأندلسي ، دراسة وتحقيق محمد عبد الوهاب خلاف ، القاهرة ، المركز العربي للدول ، بدون تاريخ ، ص 25 . ( 2 ) - البرزلي ، ج 3 ، ص 573 ؛ الونشريسي ، ج 10 ، ص 111 - 112 . ( 3 ) - البرزلي ، ج 1 ، ص 633 ، ج 3 ، ص 220 . ( 4 ) - ابن عبدون محمد بن أحمد ، رسالة في الحسبة ، نشرها ليفي بروفنسال ، ضمن ثلاث رسائل أندلسية في آداب الحسبة والمحتسب ، القاهرة ، المعهد العلمي الفرنسي ، 1955 ، ص 48 ؛ القادري ( 2003 ) ، محطات ، ص 81 . ( 5 ) - الونشريسي ، ج 8 ، ص 319 . ( 6 ) - صاعد أبو القاسم صاعد ، التعريف بطبقات الأمم ، تحقيق علا فرضا جمشيند زاد أول ، تهران ، 1997 ، ص 277 . ( 7 ) - ابن عبدون ، رسالة ، ص 48 ؛ البرزلي ، ج 2 ، ص 42 ؛ الونشريسي ، ج 2 ، ص 265 - 257 . ( 8 ) - شاندلين ( 1998 ) ، ص 309 ؛ Wasserstein D . ( 2002 ) , Langues , p . 9 ؛ القادري ( 2003 ) ، محطات ، ص 82 . ( 9 ) - شاندلين ( 1998 ) ، ص 309 ؛ ( Ross Brann ( 2000 ) , The Arabized Jews , in The Literature of al - Andalus , Cambridge Universiry Press , p . 435 - 454 . ( 10 ) - Barkai Ron ( 1994 ) Chretiens , musulmans et juifs dans lEspagne medievale de la convergence a lexpulsion , sous la direction de Ron Barkai , Paris , les editions du cerf , p . 20 ( 11 ) - Ross Brann ( 2000 ) , p . 438 . ( 12 ) - صاعد ، ص 279 ؛ ابن بسام الشنتريني ، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ، تحقيق إحسان عباس ، ليبيا - تونس ، الدار العربية للكتاب ، 1981 ، ق 3 ، م 1 ، ص 457 ؛ ابن أبي أصبيعة ، طبقات الأطباء ، بيروت دار الثقافة ، ج 3 ، ص 82 .